رئيس مجلس الادارة م/ محمد محمد
عاجل

شرح لفهم مدى اعتماد أوكرانيا على دعم أمريكا.. هل يمكنها الاستمرار بدونه؟

admin CNN بالعربية 24 أكتوبر, 2026
شرح لفهم مدى اعتماد أوكرانيا على دعم أمريكا.. هل يمكنها الاستمرار بدونه؟
2 مشاهدات

(CNN)—نشهد فترةً مربكةً في العلاقات الأمريكية الأوكرانية؛ إذ انتقد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لعدم سعيه إلى التفاوض من أجل إنهاء الحرب، بينما اتهمت كييف واشنطن بحجب دعم عسكري حيوي.

وقد أرسل ترامب مبعوثاً عنه إلى النرويج وروسيا في محاولة لدفع عملية السلام قدماً، لكن واشنطن لم تخرج من هذه المساعي سوى بخطة لاستئناف محادثات ثلاثية.

وفي غضون ذلك، تتواصل الهجمات الروسية الدامية، في الوقت الذي تبدي فيه أوكرانيا قلقها إزاء تصدّع الدعم الأمريكي لها.

ولا تُعد هذه التوترات الأخيرة هي الأولى من نوعها بين كييف وترامب؛ فقد استهل الأخير ولايته الثانية بوقف المساعدات الموجهة للمجهود الحربي الأوكراني. ومنذ ذلك الحين، تولت أوروبا تغطية التكاليف، بينما عملت كييف على تطوير صناعتها الدفاعية المحلية بوتيرة متسارعة.

فإلى أي مدى لا تزال أوكرانيا تعتمد على الدعم الأمريكي؟ وهل يمكنها مواصلة القتال في غيابه؟

يرى خبراء أن الولايات المتحدة تمتلك 3 مسارات رئيسية للضغط على كييف، اقتصادية وعسكرية وسياسية، في سعيها لدفع أوكرانيا نحو نوع من الاستسلام لإنهاء الحرب التي شنتها روسيا.

على الصعيد الاقتصادي: تقليص المساعدات لأوكرانيا

أوقفت إدارة ترامب تقديم حزم مساعدات جديدة لأوكرانيا مطلع عام 2025.

وقبل ذلك، كانت الولايات المتحدة قد قدمت لأوكرانيا مساعدات إجمالية لا تقل عن 131.5 مليار دولار، مما يجعلها أكبر مانح منفرد منذ بدء الغزو الروسي الشامل عام 2022، وذلك وفقاً لبيانات "معهد كيل للاقتصاد العالمي"، وهو مركز أبحاث ألماني يتتبع المساعدات المقدمة لأوكرانيا خلال الحرب. ولا تزال بعض الأسلحة، التي تم التعاقد على شرائها من الشركات المصنعة الأمريكية خلال عهد إدارة بايدن، تصل إلى أوكرانيا، إلا أن تنفيذ العديد من تلك العقود قد اكتمل بالفعل.

تُظهر بيانات "معهد كيل" أن دول ومؤسسات الاتحاد الأوروبي، مجتمعةً ككتلة واحدة، تتفوق الآن على الولايات المتحدة من حيث إجمالي التبرعات، إذ قدمت ما لا يقل عن 228.5 مليار دولار منذ عام 2022.

وتُعد ألمانيا والدنمارك وهولندا والسويد أكبر الدول المانحة للمساعدات العسكرية داخل الاتحاد الأوروبي، بينما ساهمت المملكة المتحدة والنرويج أيضاً بجزء كبير من المساعدات العسكرية من خارج التكتل.

وتأتي العديد من هذه التبرعات في صورة قيام حلفاء في "الناتو" بشراء أسلحة أمريكية الصنع، ثم نقلها بعد ذلك إلى أوكرانيا.

غير أن عمليات نقل الأسلحة الأوروبية هذه لا تزال تتطلب موافقة وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، مما يمنح إدارة ترامب أداة ضغط إضافية.

وتطرق الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، الجمعة، إلى النقص الحاد الذي تعاني منه بلاده في الصواريخ الاعتراضية الأمريكية من طراز باتريوت، قائلاً: "لا يزال تسليم الصواريخ الاعتراضية -التي تحمينا من الصواريخ الباليستية الروسية- متأخراً. نحن ننتظر صواريخ تم الاتفاق عليها بالفعل، لكنها لم تصل بعد".

وفي الأسبوع الماضي، نفد مخزون أوكرانيا من صواريخ "باتريوت" الاعتراضية -وهي واحدة من الأسلحة الدفاعية القليلة القادرة على إسقاط الصواريخ الباليستية- مما جعل البلاد أكثر عرضة للهجمات الروسية.

ولم يتم اعتراض أي من الصواريخ الباليستية التي ضربت كييف خلال الليلة الفاصلة بين الأربعاء والخميس، وهو مؤشر على أن مخزونات "باتريوت" لا تزال فارغة أو عند مستويات منخفضة للغاية. وفي تصريح لشبكة CNNبعد ساعات من ذلك الهجوم، أكد زيلينسكي أن أوكرانيا تحتاج في هذه اللحظة الحرجة إلى أمرين أساسيين من حلفائها: "عدم رفع العقوبات عن بوتين... وتزويدنا بصواريخ أفضل".

ونظراً لأن طلبيات الأسلحة هذه تمثل مكسباً كبيراً لشركات الدفاع الأمريكية، يرى محللون أنه من غير المرجح أن يستمر أي تباطؤ أو عرقلة لعمليات الشراء لفترة طويلة.

المجال العسكري: تبادل المعلومات الاستخباراتية والإنترنت عبر الأقمار الصناعية

رغم انهيار الدعم المالي الأمريكي، لا تزال أوكرانيا تعتمد بشكل كبير على المعلومات الاستخباراتية والتكنولوجيا الأمريكية.

ولا يوجد لدى أوكرانيا بديل لأنظمة أمريكية فريدة، مثل صواريخ "باتريوت" الاعتراضية، ونسخة "ستارشيلد" المخصصة للاستخدام العسكري من شبكة الإنترنت عبر الأقمار الصناعية "ستارلينك" التابعة لإيلون ماسك، بالإضافة إلى تقنيات متطورة للإنذار المبكر من الصواريخ.

يقول ماكس بيرغمان، مدير برنامج روسيا في "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" -وهو مركز أبحاث مقره واشنطن-: "هذه قدرات لا يملكها الأوروبيون؛ والسبب في ذلك هو أننا (الولايات المتحدة) طلبنا منهم على مدى السنوات الثلاثين الماضية ألا يطوروها... بدعوى أن بإمكانهم الاعتماد علينا".

وفي تصريح لشبكة CNN، أضاف بيرغمان: "نحن الآن في وضع تثبت فيه أمريكا لكل الأطراف في أوروبا أنه لا يمكن الاعتماد عليها ببساطة".

وتابع قائلاً: "قد يكون لهذا الأمر تداعيات كارثية على أوكرانيا؛ إذ قد يتسبب في أضرار اقتصادية هائلة، وخسائر فادحة في أرواح المدنيين، ونزوح للسكان. ومع ذلك، أشك في أن هذا سيؤدي فعلياً إلى كسر إرادة أوكرانيا في القتال".

وكان زيلينسكي قد ذكر في وقت سابق من هذا الأسبوع أن أوكرانيا لم تتلقَّ -في عدة مناسبات- تحذيرات استخباراتية أمريكية بشأن هجمات صاروخية باليستية. وقد أدى ذلك إلى وقوع هجمات صاروخية روسية دون إطلاق صافرات الإنذار المعتادة التي تنبه السكان للتوجه إلى الملاجئ، وهو ما أكد مسؤولون أوكرانيون أنه تسبب في سقوط المزيد من الضحايا المدنيين.

من جانبها، نفت وزارة الخارجية الأمريكية، وكذلك ترامب نفسه، وجود أي تقييد في تبادل المعلومات الاستخباراتية.

وبحلول مساء الثلاثاء، صرح زيلينسكي بأن عملية تبادل المعلومات الاستخباراتية مع الولايات المتحدة "عادت للعمل" مجدداً.

قال زيلينسكي ومسؤولون أوكرانيون آخرون، الجمعة، إن خدمة "ستارشيلد" لا تزال تخضع لقيود، وذلك رغم ادعاء ترامب بأن إيلون ماسك قد أعاد لأوكرانيا إمكانية الوصول الكامل إلى الخدمة.

وأوضح المسؤولون الأوكرانيون أن هذه القيود -التي تعيق عمل أي معدات عسكرية تتحرك بسرعات عالية- قد عرقلت الطائرات المسيرة الاعتراضية الأوكرانية في التصدي للهجمات الروسية، وأثرت سلبًا على العمليات العسكرية الأوكرانية في العديد من مناطق خط المواجهة.

وفي مقابلة مع شبكة CNN، هذا الأسبوع، قال زيلينسكي: "نحن نتساءل عما إذا كان بالإمكان تزويدنا بخدمة 'ستارشيلد' بالسرعة المعتادة لنتمكن من الدفاع عن أنفسنا"، مشيرًا إلى أن الحلفاء الأوروبيين هم من يتحملون تكاليف عقد خدمة الإنترنت عبر الأقمار الصناعية. وأضاف: "إذا لم يكن ذلك ممكنًا، فلا بأس؛ سنصمد وسنظل أقوياء".

من جانبهم، نفى ترامب وبعض كبار مسؤوليه إصدار أي توجيهات لتقييد استخدام أوكرانيا لخدمة "ستارشيلد"، دون تقديم تفسير واضح لما حدث بالفعل. وكان ترامب قد صرح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأنه لم يكن طرفًا في هذا الأمر.

وذكر مصدر مطلع لشبكة CNNأن الرئيس الأمريكي طلب من ماسك، خلال مكالمة هاتفية جرت في الأيام الأخيرة، إعادة إتاحة الوصول الكامل لأوكرانيا إلى نظام "ستارشيلد" للأقمار الصناعية.

إلا أن ماسك نفى اتخاذ أي إجراء أحادي الجانب، مشيرًا في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي إلى أن "أي قيود على السرعة أو الاستخدام يقررها الجيش الأمريكي، وفي نهاية المطاف، الرئيس الأمريكي نفسه".

ويرى خبراء أن أي اضطرابات أو قيود إضافية على الأنظمة المدعومة من الولايات المتحدة ستلحق، على المدى القصير، ضررًا بالغًا بأوكرانيا. أما على المدى الطويل، فمن المرجح أن يضخ الحلفاء الأوروبيون المزيد من الأموال لتطوير أنظمتهم الخاصة لدعم أوكرانيا.

وفي معرض تعليقه على عقد كييف لخدمة "ستارشيلد" وصفقات شراء صواريخ "باتريوت" الاعتراضية، قال بيرغمان: "أعتقد أن الأوكرانيين لم يتوقعوا أن تنحدر الولايات المتحدة إلى هذا المستوى أو أن تمارس هذا القدر من الخيانة؛ فما تقدمه واشنطن ليس عملاً خيريًا، بل هي خدمة تدفع أوكرانيا ثمنها".

وتابع بيرغمان: "ما تقوم به الإدارة الأمريكية يحمل في طياته تداعيات أوسع بكثير تتعلق بمدى الموثوقية الأساسية للولايات المتحدة كمورد للتكنولوجيا والأنظمة الدفاعية".

على الصعيد السياسي: منح الأمل لبوتين

يرى محللون أن الخلاف بين الولايات المتحدة وأوكرانيا يحمل تداعيات جيوسياسية أوسع، وقد ينتهي به المطاف ليصبح بمثابة هدية لجهود الكرملين الحربية.

يأتي هذا في أعقاب سلسلة من الخطوات المثيرة للجدل التي اتخذتها إدارة ترامب هذا الشهر، بما في ذلك إلغاء عقوبات جديدة على روسيا قبل دخولها حيز التنفيذ، وإبرام اتفاق يسمح لروسيا بتصدير وقود الديزل. وفي الوقت ذاته، لم يبدِ الكرملين حتى الآن أي مرونة تجاه مطالبه المتشددة لإنهاء الحرب.

وتقول ناتيا سيسكوريا، الباحثة الأولى في شؤون روسيا وأوراسيا لدى المعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI) -وهو مركز أبحاث دفاعي مقره المملكة المتحدة- إن استعداد واشنطن لممارسة ضغوط غير مسبوقة على كييف "يمنح روسيا أملاً في أن استمرارها في الحرب قد يؤدي في نهاية المطاف إلى تراجع العزيمة الأوروبية".

ويتبنى جون لوف، رئيس الشراكات الدولية في مركز "استراتيجيات أوراسيا الجديدة" وجهة نظر مماثلة. إذ قال لشبكة CNN: "أعتقد أن الروس يشعرون بقدر كبير من الرضا في الوقت الراهن؛ نظراً للضغوط التي تفرضها هذه التطورات الأخيرة على أوروبا، من خلال دفع ترامب للضغط على أوكرانيا، وتقويض نظام العقوبات، وعدم المضي قدماً في مشروع القانون الذي اقترحه ليندسي غراهام. إن هذا يبرز بوضوح حقيقة أن أوروبا والولايات المتحدة ليستا على وفاق".

وقد ربط ترامب بشكل مباشر بين إلغاء العقوبات وإطلاق سراح المواطن الأمريكي المحتجز ستيفن هوبارد، رغم تصريحاته السابقة بأن الولايات المتحدة لم تقدم لموسكو "أي شيء في المقابل" مقابل حريته.

ويرى خبراء أن جزءاً من هذا التوتر -لا سيما فيما يتعلق بقضية وقود الديزل، حيث حمّل ترامب أوكرانيا مسؤولية ارتفاع الأسعار بسبب هجماتها على مصافي النفط الروسية، بدلاً من إرجاع ذلك إلى الحرب في إيران- قد يتلاشى بعد انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة. ومع ذلك، يؤكد لوف أن مشكلة ارتفاع أسعار الوقود، إلى جانب عدم الشعبية التي تحظى بها الحرب في إيران، ستظل قائمة طوال الفترة المتبقية من رئاسة ترامب.

ويضيف لوف أن استمرار أوكرانيا في شن هجمات على مصافي النفط الروسية كان بمثابة "استفزاز مباشر" لترامب؛ إذ "يجعل من أوكرانيا هدفاً سهلاً إذا ما أراد المرء التنصل من المسؤولية عما حدث فيما يخص إيران".