"حلم والله حلم"، بهذه الكلمات عبر الفنان اللبناني فضل شاكر عن مشاعره لدى عودته إلى المسرح في العاصمة السعودية الرياض، مساء الخميس، بعد غياب استمر نحو 14 عاماً عن إحياء الحفلات الجماهيرية، تخللته سنوات من الاختباء داخل مخيم للاجئين الفلسطينيين في لبنان، وأحكام قضائية على خلفية علاقته بجماعة الشيخ أحمد الأسير وأحداث عبرا عام 2013.
وأحيا شاكر، البالغ من العمر 57 عاماً، حفلاً بعنوان "عودة الغايب" على مسرح أبو بكر سالم، ضمن فعاليات موسم الرياض، بعدما أخلى القضاء اللبناني سبيله في يوليو/تموز الماضي، ورفع منع السفر عنه، مع استمرار محاكمته في عدد من القضايا الأمنية.
وافتتح شاكر الحفل بأغنية "أحلى رسمة"، وسط تفاعل من الجمهور، وقال إنه ظل يحلم بهذه اللحظة طوال سنوات غيابه التي وصفها بالصعبة، متحدثاً عن شعوره بالتوتر لدى وقوفه مجدداً أمام الجمهور.
وشارك نجله الفنان محمد شاكر في الحفل، حيث قدما معاً عدداً من الأغاني، فيما شهدت الأمسية صعود الفنانة نوال الكويتية إلى المسرح للترحيب بعودته، بحسب ما وثقه الحساب الرسمي لموسم الرياض.
ودفع الإقبال على تذاكر الحفل الأول، التي نفدت خلال دقائق من طرحها، إلى الإعلان عن حفل ثانٍ مساء الجمعة 23 أكتوبر/تشرين الأول.
صدر الصورة، https://x.com/RiyadhSeason
وُلد فضل شاكر، واسمه الحقيقي فضل عبد الرحمن شمندر، عام 1969 في مدينة صيدا جنوبي لبنان، وبدأ مشواره الغنائي في سن مبكرة، قبل أن ينطلق احترافياً في أواخر تسعينيات القرن الماضي.
وأصدر ألبومه الأول "والله زمان" عام 1998، ثم حقق انتشاراً واسعاً في العالم العربي بأغانٍ من بينها "يا غايب" و"معقول" و"لو على قلبي"، ليصبح من أبرز مطربي الأغنية الرومانسية في مطلع الألفية الجديدة.
لكن مسيرته شهدت تحولاً عام 2012، عندما أعلن اعتزاله الغناء بعد تقربه من الشيخ أحمد الأسير، وهو رجل دين سني لبناني برز في مدينة صيدا بخطابه المناهض لحزب الله والنظام السوري السابق.
وجاء ذلك بالتزامن مع تصاعد الانقسامات السياسية والطائفية في لبنان والحرب في سوريا، حيث كان شاكر من المؤيدين للمعارضة السورية، في حين شارك حزب الله في القتال إلى جانب قوات الرئيس السوري السابق بشار الأسد.
وظهر شاكر إلى جانب الأسير في تجمعات وأنشطة سياسية ودينية، كما انتشرت له مقاطع مصورة تضمنت تصريحات أثارت جدلاً واسعاً في لبنان.
شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
في يونيو/حزيران 2013، اندلعت مواجهات مسلحة بين الجيش اللبناني وأنصار الشيخ أحمد الأسير في منطقة عبرا قرب صيدا، أسفرت عن مقتل 18 جندياً لبنانياً على الأقل، إلى جانب قتلى من المسلحين، وفق وكالة أسوشيتد برس.
وعقب المواجهات، توارى شاكر داخل مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين قرب صيدا، وظل هناك لأكثر من 12 عاماً، في وقت وجهت إليه اتهامات مرتبطة بدعم مجموعة الأسير وتمويلها.
وخلال سنوات اختبائه، صدرت بحقه عدة أحكام غيابية، بينها حكمان أصدرهما القضاء العسكري اللبناني عام 2020، قضى أحدهما بسجنه 15 عاماً مع الأشغال الشاقة بعد إدانته بالتدخل في أعمال إرهابية عبر تقديم خدمات لوجستية، فيما قضى الثاني بسجنه سبع سنوات بتهمة تمويل مجموعة الأسير وتأمين أموال لشراء أسلحة وذخائر، بحسب وكالة فرانس برس.
لكن شاكر ظل ينفي مشاركته في القتال ضد الجيش اللبناني، ونقلت وكالة أسوشيتد برس عنه، خلال إفادته أمام المحكمة العسكرية في يناير/كانون الثاني 2026، أنه ابتعد عن الشيخ أحمد الأسير قبل اندلاع المواجهات، وأن خلافات كانت قد نشأت بينهما.
وقال أيضاً إنه لجأ إلى مخيم عين الحلوة بسبب تهديدات تلقاها من حزب الله ومؤيدي النظام السوري السابق.
ورغم اعتزاله وإقامته داخل المخيم، استأنف شاكر إصدار أعمال غنائية عبر المنصات الرقمية اعتباراً من عام 2018، دون العودة إلى إحياء الحفلات المباشرة.
وفي عام 2025، أصدر عدة أغانٍ حققت انتشاراً واسعاً، بينها "كيفك ع فراقي" التي جمعته بنجله محمد شاكر، و"صحاك الشوق".
في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول 2025، سلم فضل شاكر نفسه إلى مخابرات الجيش اللبناني، منهياً أكثر من 12 عاماً من الاختباء.
وأعلنت قيادة الجيش اللبناني، في بيان رسمي، أن شاكر سلم نفسه إلى دورية من مديرية المخابرات عند مدخل مخيم عين الحلوة، نتيجة سلسلة اتصالات بين الجيش والجهات المعنية، وأن التحقيق معه بدأ بإشراف القضاء المختص.
وبحسب وكالة أسوشيتد برس، أُلغيت الأحكام الغيابية السابقة بحقه بعد تسليم نفسه، وفق الإجراءات القانونية اللبنانية، وبدأت إعادة محاكمته حضورياً في الملفات التي صدرت فيها تلك الأحكام.
وفي السادس من مايو/أيار 2026، أصدرت محكمة الجنايات في بيروت حكماً ببراءة شاكر والشيخ أحمد الأسير وآخرين من تهمة محاولة قتل هلال حمود، وهو مسؤول محلي في مجموعة مرتبطة بحزب الله.
ونقلت وكالة فرانس برس عن مصدر قضائي أن الحكم صدر لعدم كفاية الأدلة، لكنه تعلق بقضية محددة ولم يشمل جميع الملفات القضائية المنظورة بحق شاكر.
وفي الثامن من يوليو/تموز، وافقت المحكمة العسكرية اللبنانية على إخلاء سبيله بكفالة مالية في أربع قضايا، بعد نحو تسعة أشهر من توقيفه.
وفي 15 يوليو/تموز، رفع القضاء العسكري منع السفر عن شاكر وأعاد إليه جواز سفره، ما أتاح له مغادرة لبنان.
وقبل يوم واحد من حفله في الرياض، أرجأت المحكمة العسكرية اللبنانية جلسة محاكمته التي كانت مقررة في 21 أكتوبر/تشرين الأول إلى 25 نوفمبر/تشرين الثاني، لاستكمال الإجراءات والاستماع إلى شهود إضافيين، بناءً على طلب دفاعه، وفق ما نُقل عن محاميته أماتا مبارك.
في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول 2026، وبعد عام من تسليم نفسه للسلطات اللبنانية، أعلن رئيس الهيئة العامة للترفيه السعودية تركي آل الشيخ تنظيم حفل لفضل شاكر على مسرح أبو بكر سالم، تحت عنوان "عودة الغايب".
وبحسب وكالة فرانس برس، شكل الحفل أول عودة جماهيرية معلنة لشاكر إلى المسرح منذ نحو 14 عاماً، بعد سنوات اقتصرت خلالها أنشطته الفنية على تسجيل الأغاني وإصدارها.
ومن المقرر أن يواصل حفلاته خلال الأسابيع المقبلة، بمواعيد معلنة في مدينة الخبر السعودية وقطر والأردن.
وأثارت عودة فضل شاكر إلى المسرح تفاعلاً بين مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، إذ رحب بعضهم بعودته بعد سنوات من الغياب، فيما انتقد آخرون أداءه خلال الحفل أو أثاروا تساؤلات بشأن ماضيه والملفات القضائية المرتبطة به.
وانتقد حساب يحمل اسم "رادار" أداء شاكر في الحفل، قائلاً: "للأسف عودة مخيبة للآمال والتوقعات"، معتبراً أن الفنان لا يزال متعباً وغير مستعد للعودة إلى المسرح، وأنه بدا مشتتاً خلال أدائه.
في المقابل، رأى مستخدم يحمل اسم عبود الشوبكي أن التوتر الذي تحدث عنه شاكر لا يقلل من أهمية عودته، وكتب: "يا ابن الحلال كل الوطن العربي مبسوط وفخور فيك سواء بتوتر أو بدون، بأداء جيد أو بدون، أيقونة وبس!".
وعبرت مستخدمة تُدعى "نجود" عن تأثرها بعودة الفنان اللبناني، وكتبت: "والله مو طبيعي قد إيش بكيت"، مشيرة إلى أنها ترى في تجربته مثالاً على عدم الاستسلام، وأن اختياره السعودية لإحياء أولى حفلاته بعد الغياب زاد من تأثرها.
تحذير: بي بي سي غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية
وامتدت التعليقات إلى الجدل بشأن ماضي شاكر القضائي والسياسي، إذ انتقد مستخدم يحمل اسم "يَعرُب" الانتقادات الموجهة إليه، مقارناً بينها وبين مواقف بعض السياسيين اللبنانيين الذين شاركوا في الحرب الأهلية، ولا يزالون حاضرين في المشهد السياسي.
كما تداولت بعض الحسابات تفسيرات صحية لارتداء شاكر نظارات شمسية خلال الحفل، دون وجود تأكيد موثوق للأسباب المتداولة.
تحذير: بي بي سي غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية