رئيس مجلس الادارة م/ محمد محمد
عاجل

الوصول الشامل.. هل ينجح تحول الإعلام العام إلى البودكاست فى ضمان العدالة الرقمية؟

admin المصري اليوم - كافة الخلاصات 05 نوفمبر, 2026
الوصول الشامل.. هل ينجح تحول الإعلام العام إلى البودكاست فى ضمان العدالة الرقمية؟
4 مشاهدات

أعلنت هيئة الإذاعة البريطانية، فى أكتوبر 2026، إجراء تغييرات واسعة فى خريطة برامجها الإذاعية، شملت تطوير برامج جديدة، وتوسيع نطاق أخرى قائمة، وإلغاء بعض برامجها العريقة التى تجاوز عمر أحدها خمسين عاماً، وذلك فى إطار سعيها إلى إنتاج برامج يسهل تحويلها إلى بودكاست، وإعادة توجيه الموارد نحو المحتوى الرقمى ومنصات البث عند الطلب.

وتأتى هذه التغييرات بالتوازى مع خطة الهيئة لخفض نفقاتها بنحو 500 مليون جنيه إسترلينى، لمواجهة الضغوط المالية وتراجع إيرادات رسوم الترخيص؛ وهو ما لا يمكن فصله عن التحول الرقمى، وما يعكسه من مؤشرات على إعادة ترتيب أولويات الإنتاج والتوزيع داخل المؤسسة. وتكتسب هذه التحولات أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة الهيئة، التى لا تعمل كشركة خاصة، وإنما باعتبارها هيئة خدمة عامة مستقلة، تعمل بموجب ميثاق ملكى يحدد مهمتها فى إعلام الجمهور وتثقيفه وترفيهه.

ويضع ذلك مؤسسات الإعلام العام، التى تواجه تحديات اقتصادية وتقنية وتحولات جذرية فى اتجاهات السوق وسلوك المستهلكين؛ أمام تحد جاد يتمثل فى ضرورة الاستجابة لهذه المتغيرات، مع الحفاظ على إتاحة المعلومات والخدمات الإعلامية لمختلف فئات الجمهور، والوفاء بواجباتها الأساسية المتعلقة بتفسير القضايا الاجتماعية وإتاحة النقاش العام، فى سياق رقمى يحكمه اقتصاد الانتباه، وتسوده مفاهيم المحتوى الفيروسى والمشاهدة الشرهة.

تكشف المؤشرات الدولية عن صعود البودكاست كأحد أشكال المحتوى الرقمى الذى يلقى رواجاً ملحوظاً بين المستخدمين حول العالم؛ حيث بلغ عدد برامج البودكاست عام 2026 نحو أربعة ملايين برنامج، تضم أكثر من 188 مليون حلقة حول العالم. كما أشارت بيانات مؤسسة «رؤى المستهلك العالمية» (GWI) للتحليلات الرقمية إلى أن 22.1٪ من مستخدمى الإنترنت البالغين يستمعون إلى بودكاست واحد على الأقل أسبوعياً. ولا يقتصر هذا التوسع على المحتوى الترفيهى، بل يمتد إلى المجال الإخبارى، فقد كشف تقرير (Digital News Report 2026)، الذى أعده «معهد رويترز لدراسة الصحافة»؛ اعتماداً على بيانات 48 سوقاً حول العالم، والمنشور فى يونيو 2026؛ أن 11٪ من المبحوثين استمعوا إلى بودكاست إخبارى خلال الأسبوع السابق للمسح؛ وهو ما يشير إلى حضوره، ولو بشكل أقل، فى تداول الشؤون العامة.

ولا يمكن تفسير التوسع فى البودكاست باعتباره موضة أو رواجاً عابراً، فهو يعكس تحولاً فى العلاقة بين الجمهور والمحتوى الإعلامى؛ من نموذج يقوم على التزامن مع جدول البث إلى نموذج يمنح المستخدم قدراً أكبر من التحكم فى توقيت الاستماع ومدته وموضوعه، بما يختلف كلياً عن آليات توزيع واستهلاك المحتوى التقليدى، ويعيد تشكيل توقعات الجمهور، ليس فقط على مستوى المحتوى الصوتى، ولكن تقنيات إنتاجه بصرياً أيضاً مع انتشار البودكاست المرئى الذى يتيح للمستخدم متابعة ردود فعل المشاركين وانفعالاتهم والتفاعل معها وتداولها.

ويكشف تقرير حالة بودكاست الفيديو للعام 2026 الذى تصدره شركة الأبحاث (MillionPodcasts Research) وشمل تحليل أكثر من 34 ألف بودكاست فيديو نشط باللغة الإنجليزية؛ أن هذا الشكل لم يعد مجرد تسجيل مرئى لبرنامج صوتى، بل يتطور إلى منتج إعلامى متعدد المنصات يجمع بين الحوار المطول، والحضور الشخصى للمقدمين والضيوف، وإمكانية إعادة توزيع المقاطع القصيرة عبر يوتيوب وتيك توك وإنستغرام؛ ما يجعل الفيديو أداة لاكتشاف المحتوى والوصول إلى جمهور جديد، محدداً ثلاثة عوامل للرواج تتمثل فى إتاحة الحوار المطول مساحة لبناء الثقة والعلاقة مع الجمهور، وإمكانية تحويل الحلقة إلى مقاطع قصيرة قابلة للتداول والاكتشاف، والتوزيع المتزامن عبر منصات الصوت والفيديو.

وتؤكد ذلك بيانات مكتب الاتصالات بالمملكة المتحدة Ofcom لعام 2026، والتى تشير إلى أن 68٪ من مستهلكى البودكاست يستمعون إلى برامج تتوفر لها نسخ مصورة، فى حين يرى 44٪ أن وجود الفيديو يجعل البودكاست أكثر جذباً.

يعيد البودكاست تشكيل الخدمات التى تقدمها مؤسسات الإعلام العام؛ لكنه لا يفعل ذلك بمجرد استبدال البث الإذاعى المباشر بالاستماع عند الطلب، بل يعيد تشكيل العلاقة بين المؤسسة والجمهور، وطريقة تنظيم المحتوى، وآليات الوصول إليه، ومعايير تقييم نجاحه.

ومن منظور مؤسسات الإعلام العام، يتيح هذا التحول فرصة للوصول إلى مستخدمين لم تعد عاداتهم الإعلامية تتوافق مع جداول البث الإذاعى التقليدية، ولا سيّما الفئات الأصغر سناً التى توزع وقتها بين منصات متعددة. ويكتسب ذلك أهمية خاصة بالنسبة إلى هيئة الإذاعة البريطانية «بى بى سى»؛ إذ أشار تقرير لجنة الحسابات العامة فى البرلمان البريطانى إلى أن نسبة مستخدمى خدمات الهيئة أسبوعياً بين الفئة العمرية من 16 إلى 34 عاماً بلغت 67٪ خلال الفترة 2024/2025، مقابل 96٪ لدى الفئة العمرية من 55 عاماً فأكثر. كما شعر 51٪ فقط من الفئة الأصغر سناً بأن «بى بى سي» تعكس أشخاصاً يشبهونهم؛ وهو ما يكشف عن تحديات تتعلق بالوصول إلى الجمهور وتمثيله؛ ومن ثم يبدو أن التحول نحو الأنماط الرقمية، ومنها البودكاست؛ يعكس محاولة المؤسسة للحفاظ على صلتها بالأجيال الجديدة، وليس مجرد السعى إلى زيادة معدلات الاستماع.

ومن المهم، فى هذا السياق، التمييز بين إحلال البودكاست محل الإذاعة، وإعادة تصميم البرامج لتعمل عبر أكثر من وسيط. فعلى الرغم من إلغاء عدد من برامج «بى بى سي»؛ لم تعلن الهيئة التخلى عن البث الإذاعى لصالح البودكاست وحده؛ إذ أشارت إلى تطوير برنامج جديد للمستهلكين، يعمل على الهواء وعند الطلب، إلى جانب إنتاج برنامجين أسبوعيين جديدين يتناولان الأفكار المؤثرة فى العالم وقضايا التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى، مع توسيع مدة برنامجين حواريين يُبثان كبودكاست أيضاً، وذلك فى إعادة لتوزيع الموارد وإعادة تصميم بعض أشكال الإنتاج؛ ما يسمح باستخدامها عبر البث التقليدى والمنصات الرقمية.

ولا تقتصر إعادة توجيه الإنتاج نحو المحتوى الرقمى على هيئة الإذاعة البريطانية فحسب؛ إذ سبق أن أعلنت هيئة الإذاعة الأسترالية فى يناير 2026 أن متوسط المستخدمين الأسبوعيين لخدماتها الصوتية الرقمية ارتفع بنسبة 17٪ خلال عام 2025، وأن تطبيقها (ABC listen) استقطب فى المتوسط 554 ألف مستخدم نشط أسبوعياً، بزيادة بلغت 14٪ خلال العام. كما ضمت الهيئة 54 بودكاستاً ضمن قائمة أفضل 300 بودكاست فى أستراليا، وفق تصنيف ديسمبر 2025، وكانت الأعلى بين الناشرين من حيث عدد البرامج المدرجة. ولم تقتصر الاستراتيجية على زيادة الإنتاج الرقمى، ففى أغسطس 2026 أطلقت هيئة الإذاعة الأسترالية البودكاست المصور داخل تطبيقها؛ ما يسمح للجمهور بالانتقال بين المحتوى الصوتى والمرئى، إلى جانب البث الإذاعى المباشر والأخبار والرياضة ومحتوى الأطفال. وتكتسب التجربة أهميتها من كونها توسع خيارات الوصول إلى المحتوى داخل بيئة اندماجية تابعة للمؤسسة نفسها، بدلاً من ربط التطوير الرقمى بالتخلى عن الراديو أو إحالة الجمهور بالضرورة إلى منصات تجارية خارجية.

كما يقدم راديو فرنسا نموذجاً لتوسيع التوزيع والتكامل المؤسسي؛ حيث عمد إلى توسيع إتاحة البودكاست بدلاً من الاقتصار على تحويل البرامج الإذاعية إلى صيغ رقمية. ومنذ عام 2020، يجمع تطبيقه الرقمى آلاف البودكاست التى تنتجها مؤسسات إعلامية عامة، من بينها فرانس 24 وتلفزيون فرنسا وهيئة الإذاعة والتلفزيون البلجيكية الناطقة بالفرنسية، كما انضم «پابليك سينات» (Public Sénat) - تليفزيون مجلس الشيوخ - إليه فى يناير 2025 ليصبح المؤسسة الإعلامية العامة الحادية عشرة التى تنضم للتطبيق. وقد حقق راديو فرنسا 2.1 مليار عملية استماع للبث المباشر والبودكاست عام 2025؛ جرت 59٪ منها عبر منصته الرقمية الخاصة.

ولا تعكس هذه المحاولات مفاضلة مطلقة بين المنصات المملوكة للمؤسسات الإعلامية والمنصات العالمية، بقدر ما تعكس سعياً إلى تحديد الوظيفة التى تؤديها كل قناة ضمن منظومة التوزيع. فقد تكون منصات مثل يوتيوب وتيك توك وخدمات البودكاست الخارجية أكثر ملاءمة لاكتشاف المحتوى والوصول إلى فئات جديدة من الجمهور، فى حين تتيح التطبيقات والمواقع التابعة للمؤسسات الإعلامية بيئة أكثر مباشرة لتجميع البرامج والأرشيفات والبث المباشر والمحتوى المصاحب؛ ما يسهم فى تعزيز العلاقة المستمرة مع الجمهور.

تكشف حالة «بى بى سى» أن التحدى الحقيقى لا يتمثل فى الاختيار بين التقليدى والرقمى، أو الراديو والبودكاست، وإنما فى إدارة التحول دون التضحية بمبدأ الوصول الشامل. فالإعلام العام ليس مطالباً بالحفاظ على الأشكال التقليدية لمجرد تاريخها؛ لكنه مطالب بالحفاظ على الوظائف الاجتماعية والمعرفية التى أدتها. وإذا أدى إلغاء برنامج إلى إنتاج بديل أكثر مرونة وأسهل وصولاً وأوسع انتشاراً؛ فقد يمثل ذلك تطويراً للخدمة. أما إذا أدى إلى نقل المحتوى إلى بيئة لا يستطيع جزء من الجمهور استخدامها، أو إلى تراجع التغطية المتخصصة للقضايا العامة؛ فإن زيادة الكفاءة الرقمية قد تأتى على حساب قيمة الخدمة العامة نفسها.

وتستند مشروعية مؤسسات الإعلام العام إلى مبدأ يختلف عن منطق السوق التجارية، يقوم على تقديم محتوى ذى قيمة عامة لمختلف شرائح المجتمع، دون الاقتصار على الفئات الأكثر جاذبية للمعلنين أو الأكثر نشاطاً على المنصات الرقمية؛ وهو ما يفرض عليها تحقيق التوازن بين توظيف المنصات الرقمية لتوسيع نطاق خدماتها وتعزيزها، وبين تجنب تحويلها إلى قناة وحيدة للتوزيع؛ ما يتعارض مع مبدأ الشمول وتكافؤ فرص الوصول إلى المحتوى الإعلامي؛ ومن ثم تبرز ضرورة تبنى نموذج توزيع متعدد القنوات، بدلاً من الإحلال الكامل للوسائل التقليدية، مع مراعاة خصوصية السياق المجتمعى، والاستناد إلى دراسات دقيقة للأثر الجماهيرى ومؤشرات أداء كمية ونوعية، لا تقتصر على مقاييس الرواج الرقمى، بل تشمل أيضاً الوصول الاجتماعى والجغرافى، والتنوع العمرى، ورضا المستخدمين، وفاعلية المحتوى.

وعلى الرغم من ارتباط هذا التحول بالضغوط المالية؛ فإن الانتقال إلى أنماط المحتوى الرقمى، مثل البودكاست، لا يضمن خفضاً تلقائياً فى تكاليف الإنتاج؛ إذ تتطلب المنافسة فى البيئة الرقمية استثمارات فى التسويق والتحليل وتطوير المنصات، إضافة إلى تكاليف إنتاج محتوى عالى الجودة، بما لا يخل بأهداف إعلام الخدمة العامة وغاياته الأساسية. وحتى إذا جاء هذا التحول فى إطار خطط تقليص النفقات، كما هو الحال فى هيئة الإذاعة البريطانية؛ فإنه يثير مخاوف بشأن التداعيات السلبية للضغوط المالية، ليس فقط على استمرارية المحتوى التقليدى، وإنما أيضاً على جودة المحتوى الرقمى واستدامته.

وتتزايد هذه المخاطر مع انتقال البودكاست إلى منصات الفيديو، والتوسع فى الاعتماد على المنصات العالمية لاكتشاف المحتوى وتوزيعه؛ إذ تستند هذه المنصات إلى خوارزميات توصية تستهدف إطالة مدة استخدام الجمهور لخدماتها وتعظيم الأرباح، دون أن تضع بالضرورة متطلبات الخدمة العامة ضمن أولوياتها. ويتعارض ذلك مع طبيعة الإعلام العام، الذى لا يُقاس نجاحه بمعدلات التنزيل أو المشاهدة وحدها. فعلى الرغم من أن الانتشار عبر منصات الفيديو والخدمات الصوتية الخارجية قد يتيح الوصول إلى شرائح إضافية من الجمهور؛ فإنه يجعل اكتشاف المحتوى وتوزيعه مرهونين جزئياً بخوارزميات وسياسات توصية لا تتحكم فيها المؤسسات الإعلامية بالكامل؛ ومن ثم تبرز الحاجة إلى تبنى سياسات تُوازن بين الاستفادة من المنصات التى يوجد عليها الجمهور، والحفاظ على قدرة المؤسسات الإعلامية على التحكم فى إتاحة محتواها والوصول إليه، دون التحول إلى مجرد مورد للمحتوى ضمن منظومة تجارية أوسع.

ومن ناحية أخرى، تصبح العلاقة بين التحول الرقمى فى مؤسسات الإعلام العام وعدالة الوصول إلى المعلومات أكثر تعقيداً فى الدول الأقل نمواً؛ حيث تواجه صعوبات استراتيجية بالنظر إلى فجوة الإتاحة التقنية سواء على مستوى توافر الاتصال والأجهزة والقدرات الرقمية، أو معارف المستخدمين ومهاراتهم الرقمية. وقد أظهر استطلاع «أفروباروميتر» الذى شمل 38 دولة أفريقية فى عامى 2024 و2025؛ أن 59٪ من المواطنين يحصلون على الأخبار عبر الراديو يومياً أو عدة مرات أسبوعياً، مقابل 53٪ عبر التليفزيون، و50٪ عبر وسائل التواصل الاجتماعى، و38٪ عبر مصادر الإنترنت الأخرى. وأكد التقرير أن الراديو لايزال الوسيلة الإخبارية الأكثر إتاحة للنساء وسكان المناطق الريفية والفئات الأقل دخلاً وتعليماً.

ختاماً، يمكن القول إن المعيار الأهم لنجاح التحول ليس عدد البرامج التى تحولت إلى بودكاست، بل قدرة المؤسسات على توسيع الوصول إلى المعلومات مع الحفاظ على تنوع الجمهور وتكافؤ الفرص. ويظل المبدأ الحاكم هو أن تكون مؤسسات الإعلام العام رقمية فى أدواتها، وشاملة فى خدماتها؛ أى أن تستخدم التكنولوجيا للوصول إلى جمهور أوسع، لا أن تجعل امتلاك القدرة على استخدامها شرطاً للاستفادة من حق المجتمع فى المعلومات.

* أستاذ مساعد ووكيل كلية الإعلام جامعة الأهرام الكندية

ينشر بالتعاون مع المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة