رئيس مجلس الادارة م/ محمد محمد
عاجل

«الإنترنت المصري بقلاوة – اللحمة هناك بـ700 جنيه».. ماذا وجدنا عندما تتبعنا تصريحات يوسف الحسيني عن روسيا؟

admin الشروق - rss 04 نوفمبر, 2026
«الإنترنت المصري بقلاوة – اللحمة هناك بـ700 جنيه».. ماذا وجدنا عندما تتبعنا تصريحات يوسف الحسيني عن روسيا؟
21 مشاهدات

كريم البكري نشر في: الأربعاء 4 نوفمبر 2026 - 2:07 ص | آخر تحديث: الأربعاء 4 نوفمبر 2026 - 2:08 ص

بدأت الحكاية بهاتف محمول تعطلت خدماته في موسكو، ثم انتقلت إلى أسعار البنزين واللحوم، والسيارات الكهربائية، ومستوى معيشة الروس، قبل أن تصل إلى تاريخ الاتحاد السوفيتي والتحولات التي شهدتها البلاد خلال حكم الرئيس فلاديمير بوتين.

خلال حديثه عن زيارة عمل إلى روسيا، على هامش أعمال القمة الروسية - الإفريقية الثالثة المنعقدة في العاصمة موسكو، قدم الإعلامي يوسف الحسيني، مجموعة من المشاهدات التي لفتت انتباهنا، خصوصًا عندما قارن خدمات الإنترنت بين مصر وروسيا، وقال حسب وصفه: «الإنترنت في مصر جنب اللي في روسيا بقلاوة، أسرع بمراحل»، ثم روى تجربته مع خدمات التجوال الدولي، التي قال إنها تعطلت لمدة 24 ساعة عقب وصوله إلى موسكو.

وأشاد الحسيني بنظافة العاصمة الروسية، ومستوى المعيشة فيها رغم ارتفاع أسعار عدد من السلع، مستشهدًا بسعر لتر البنزين وكيلو اللحوم ورغيف الخبز، مبديًا إعجابه بحجم التطور الذي شهدته روسيا تحت حكم بوتين، مقارنة بالأوضاع خلال رئاسة بوريس يلتسين والسنوات الأخيرة للاتحاد السوفيتي.

دفعتنا هذه التصريحات إلى البحث في المصادر المفتوحة، ومحاولة التعرف على ما يواجهه الزائر الأجنبي فعلًا عند وصوله إلى روسيا، ومقارنة سرعات الإنترنت، ثم مراجعة أسعار السلع ومستويات الأجور، وصولًا إلى المؤشرات الاقتصادية والتاريخية التي تساعد في فهم التحولات الروسية.

روى الحسيني أنه وصل إلى موسكو بعد تفعيل خدمة التجوال الدولي على هاتفه، متوقعًا أن يتمكن من استخدام الإنترنت فور وصوله، قبل أن يفاجأ بتعطل الخدمة، ويضطر إلى الانتظار نحو 24 ساعة قبل أن تبدأ الخدمة في العمل.

كانت هذه أول نقطة بحثنا عنها، وعثرنا على قرار روسي يفسر التجربة بصورة مباشرة؛ ففي 6 أكتوبر 2025، بدأت السلطات الروسية تطبيق قيود على شرائح الاتصالات الأجنبية المستخدمة في التجوال الدولي، تقضي بتعطيل خدمات الإنترنت المحمول والرسائل النصية لمدة 24 ساعة من لحظة تسجيل الشريحة على إحدى الشبكات الروسية.

وبحسب بيان نشرته منظمة الكومنولث الإقليمي للاتصالات في 5 نوفمبر 2025، تُرفع القيود تلقائيًا بعد انتهاء الفترة، مع إمكانية تجديد التعطيل إذا ظلت الشريحة غير نشطة لمدة 3 أيام؛ وتستمر المكالمات الصوتية خلال فترة تقييد البيانات والرسائل.

وهكذا، وجدنا أن الواقعة التي وصفها الحسيني تستند إلى إجراء رسمي مطبق بالفعل.

انتقلنا بعد ذلك إلى العبارة التي بدأ بها الحسيني حديثه، والمتعلقة بتفوق سرعة الإنترنت المصري على نظيره الروسي.

وللمقارنة، استعنا ببيانات منصة «SpeedGEO»، المنوط بها قياس سرعات الإنترنت من خلال اختبارات المستخدمين، واخترنا فترة موحدة للدولتين تمتد من 1 أكتوبر 2025 إلى 30 سبتمبر 2026.

وأظهرت بيانات مصر أن متوسط سرعة تنزيل الإنترنت المحمول بلغ 34.9 ميجابت في الثانية، مقابل 30.1 ميجابت في روسيا، بما يمنح مصر أفضلية تقارب 16%.

لكن الصورة اختلفت عند الانتقال إلى الإنترنت الأرضي؛ إذ بلغ متوسط سرعة التنزيل في مصر 18.2 ميجابت في الثانية، مقابل 69.9 ميجابت في روسيا، وفق المنصة نفسها.

حكى الحسيني عن صعوبة فتح يوتيوب وفيسبوك وإرسال الرسائل الصوتية ومشاهدة الفيديوهات، وأشار إلى الحاجة لاستخدام شبكات افتراضية خاصة «VPN» للوصول إلى بعض الخدمات.

وهنا وجدنا جانبًا آخر من المشهد الروسي يتعلق بالقيود المفروضة على استخدام الإنترنت؛ فمنذ عام 2022، فرضت السلطات الروسية حجبًا على فيسبوك وإنستجرام، وتعرض يوتيوب لاحقًا لإجراءات إبطاء وتقييد واسعة، إلى جانب قيود على تطبيقات مراسلة وخدمات أجنبية أخرى.

وفي تقرير صادر عن منظمة هيومن رايتس ووتش خلال يوليو 2025، وثقت المنظمة الصعوبات التي يواجهها المستخدمون في الوصول إلى التطبيقات والمواقع الأجنبية، واعتماد كثيرين على خدمات VPN لتجاوز الحجب.

كذلك وجدنا تطورًا إضافيًا؛ إذ شهدت موسكو خلال مارس 2026 اضطرابات واسعة في خدمات الإنترنت المحمول، أثرت على تطبيقات النقل والمدفوعات والخدمات اليومية؛ وبرر الكرملين تلك الإجراءات بمتطلبات أمنية، في ظل التهديدات المرتبطة بالطائرات المسيرة.

ما يعني أن تجربة الزائر الأجنبي في موسكو تتأثر بعدة عوامل متداخلة، من بينها قيود التجوال الدولي، وحجب بعض المواقع، والانقطاعات الأمنية المؤقتة؛ وتفسر هذه العوامل الصعوبات التي وصفها الحسيني، حتى مع وجود شبكة إنترنت قادرة على تحقيق سرعات مرتفعة في اختبارات الأداء.

بعد الإنترنت، انتقل الحسيني إلى أسعار السلع في موسكو، مستغربًا ارتفاع أسعار البنزين واللحوم، رغم أن روسيا من الدول الكبرى المنتجة والمصدرة للنفط.

وذكر أن لتر بنزين 95 يباع بنحو 71.5 روبل، وقدّر قيمته بما يقارب 58 جنيهًا مصريًا، فيما قال إن سعر كيلو اللحم البقري يصل إلى نحو 700 جنيه.

وفق هيئة الإحصاء الروسية روسستات، بلغ متوسط سعر لتر بنزين 95 في موسكو نحو 76.02 روبل يوم 26 أكتوبر 2026، وهو ما يعادل حوالي 52 جنيهًا مصريًا، باحتساب سعر صرف يقارب 68 قرشًا للروبل في 3 نوفمبر.

أما السعر الذي ذكره الحسيني، وهو 71.5 روبل، فيعادل نحو 49 جنيهًا عند سعر الصرف نفسه.

وفي مصر، يبلغ السعر الرسمي للتر بنزين 95 نحو 24 جنيهًا، وفق الأسعار السارية منذ مارس 2026، والتي قررت الحكومة الإبقاء عليها دون تغيير في أكتوبر الماضي.

وهكذا، يتجاوز سعر البنزين في موسكو مثيله في مصر بأكثر من الضعف عند تحويل العملة.

انقالا إلى اللحوم، فوجدنا أن المركز التحليلي لـ موسكو سجل متوسط سعر كيلو اللحم البقري عند 936.2 روبل في 26 أكتوبر 2026، أي نحو 637 جنيهًا مصريًا؛ وهو سعر قريب من القيمة التي أشار إليها الحسيني.

لكننا خلال مراجعة هذه الأسعار وجدنا أنفسنا أمام سؤال أكثر أهمية: كم يتقاضى المواطن الروسي حتى نستطيع معرفة العبء الحقيقي لهذه الأسعار على دخله؟

عند هذه النقطة، عدنا إلى عبارة أخرى قالها الحسيني خلال حديثه، وهي أن مستوى المعيشة في روسيا «محترم»، وأن دخول المواطنين هناك مرتفعة.

وبالبحث في البيانات الرسمية، وجدنا أن الحد الأدنى للأجور في روسيا يبلغ 27,093 روبل شهريًا منذ يناير 2026، أي نحو 18,400 جنيه مصري؛ أما في موسكو تحديدًا، التي دارت حولها تجربة الحسيني، فيبلغ الحد الأدنى للأجور 39,730 روبل، ما يعادل نحو 27 ألف جنيه مصري.

والفارق بين الحدين يعكس اختلاف مستويات الأجور وتكاليف المعيشة بين العاصمة الروسية وبقية أنحاء البلاد.

ووجدنا أيضًا أن متوسط الأجر الشهري في روسيا بلغ 103,014 روبل خلال أغسطس 2026، وفق هيئة الإحصاء الروسية، بما يعادل نحو 70 ألف جنيه مصري.

ويرتفع المتوسط في موسكو إلى 176,138 روبل شهريًا، أي نحو 120 ألف جنيه مصري، وفق البيانات المنشورة عن الشهر نفسه. وهذه المتوسطات محسوبة قبل خصم الضرائب، وتتأثر بالرواتب المرتفعة في بعض القطاعات.

ولفهم دلالة هذه الأرقام، أجرينا حسابًا بسيطًا باستخدام الحد الأدنى للأجور في موسكو..

ولتبسيط المقارنة، أجرينا مسألة حسابية افتراضية: ماذا لو قرر مواطن في موسكو وآخر في القاهرة شراء 100 لتر من بنزين 95 و4 كيلوجرامات من اللحم البقري؟ وكم ستستهلك هذه المشتريات من الحد الأدنى لأجر كل منهما؟

في موسكو، سيحتاج المواطن إلى 7,602 روبل لشراء البنزين، و3,745 روبل تقريبًا لشراء اللحوم، بإجمالي 11,347 روبل، أي نحو 28.6% من الحد الأدنى للأجر الشهري البالغ 39,730 روبل.

أما في مصر، فسيحتاج المواطن إلى 2,400 جنيه لشراء البنزين، ونحو 1,805 جنيهات لشراء الكمية نفسها من اللحوم، باحتساب متوسط سعر 451 جنيهًا للكيلو، ليصل إجمالي المشتريات إلى 4,205 جنيهات، تعادل نحو 60% من الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص البالغ 7,000 جنيه، أو نحو 52.6% من الحد الأدنى لإجمالي أجور العاملين بالدولة البالغ 8,000 جنيه.

وبذلك، تكشف المسألة الحسابية أن سلة المشتريات نفسها تستهلك نحو 29% من الحد الأدنى للأجر في موسكو، مقابل 60% في القطاع الخاص المصري، رغم ارتفاع أسعار السلع في العاصمة الروسية عند تحويلها إلى الجنيه.

وتمنح هذه النتيجة ملاحظة الحسيني عن ارتفاع مستوى المعيشة في روسيا بُعدًا إضافيًا؛ إذ تُظهر قدرة شرائية أكبر للعامل الذي يتقاضى الحد الأدنى للأجر في موسكو تجاه السلعتين محل المقارنة، مع بقاء السكن والخدمات والضرائب وغيرها من النفقات عناصر أساسية لتقييم مستوى المعيشة بصورة أشمل.

لكن هناك جانب آخر من تكاليف المعيشة يستحق التوقف عنده، وهو السكن. فبحسب بيانات هيئة الإحصاء الروسية «روسستات»، بلغ متوسط إيجار الشقة المكونة من غرفة واحدة في موسكو نحو 60,831 روبل شهريًا في يوليو 2026، قبل أن يرتفع إلى 61,540 روبل في سبتمبر، أي ما يعادل نحو 42 ألف جنيه مصري.

ولإدراك حجم هذه التكلفة، يمكن إجراء مسألة حسابية أخرى: إذا كان الحد الأدنى للأجور في موسكو يبلغ 39,730 روبل، فإن استئجار شقة بهذا السعر يتطلب نحو 155% من الأجر الشهري. أما الموظف الذي يتقاضى متوسط الرواتب في العاصمة، والبالغ 176,138 روبل في أغسطس 2026، فسيخصص نحو 35% من راتبه الإجمالي للإيجار وحده، وترتفع النسبة إلى نحو 40% بعد احتساب ضريبة الدخل الأساسية.

وتزداد التكلفة عند الانتقال إلى مسكن جديد؛ إذ تشير جامعة «المدرسة العليا للاقتصاد» الروسية إلى أن عقود الإيجار تتطلب عادة تأمينًا يعادل إيجار شهر، يُسترد عند انتهاء التعاقد وفق شروطه. وبذلك، قد يحتاج المستأجر إلى نحو 123 ألف روبل مقدمًا لتغطية أول شهر والتأمين، بخلاف تكاليف المرافق والانتقال وأي عمولات إضافية.

كما تكشف البيانات تفاوتًا جغرافيًا واضحًا؛ إذ بلغ متوسط إيجار الشقة المكونة من غرفة واحدة نحو 31,220 روبل شهريًا على مستوى روسيا في سبتمبر 2026، مقابل 61,540 روبل في موسكو، أي إن تكلفة الإيجار في العاصمة تقارب ضعف المتوسط الروسي.

وتضيف هذه الأرقام جانبًا مهمًا إلى الصورة التي نقلها الحسيني عن ارتفاع مستوى المعيشة في روسيا؛ فبينما تُظهر الرواتب قدرة شرائية مرتفعة نسبيًا تجاه بعض السلع، يمثل السكن عبئًا كبيرًا على المستأجرين في العاصمة، خصوصًا أصحاب الدخول المنخفضة.

ومن المشاهدات التي توقف عندها الحسيني، انتشار السيارات الكهربائية في موسكو، وربط ذلك بهدوء الشوارع وانخفاض أصوات المحركات والتلوث، قائلا إن «كل العربيات تقريبًا شغالة كهربا»، معتبرًا انتشارها أحد ملامح التطور الذي لاحظه في العاصمة الروسية.

وعند البحث عن أعداد السيارات الكهربائية، وجدنا بيانات مختلفة عن الانطباع الذي تنقله المشاهدة العابرة.

وفقا لوكالة «أوتوستات» الروسية المتخصصة في سوق السيارات، بلغ عدد السيارات الكهربائية بالكامل في روسيا نحو 80 ألف سيارة مطلع 2026، بما يعادل 0.2% من إجمالي سيارات الركوب.

وفي يوليو 2026، بلغ عدد السيارات الكهربائية والهجينة القابلة للشحن معًا نحو 220 ألف سيارة، مقابل أسطول روسي يضم عشرات الملايين من سيارات الركوب.

وتتركز نسبة مهمة من السيارات الكهربائية في المنطقة الفيدرالية المركزية التي تضم موسكو، ما يساعد في تفسير حضورها الملحوظ في العاصمة، بينما تظل السيارات التقليدية صاحبة الحصة الأكبر من الأسطول الروسي.

امتد حديث الحسيني إلى تاريخ روسيا الحديث، معتبرًا أن البلاد شهدت تدهورًا اقتصاديًا واسعًا خلال رئاسة بوريس يلتسين، قبل أن تشهد تحولًا جذريًا تحت حكم فلاديمير بوتين؛ وبمراجعة المؤشرات الاقتصادية، وجدنا أن توصيفه للتدهور ثم التعافي يتفق مع البيانات التاريخية.

بحسب خدمة أبحاث الكونجرس الأمريكي، انكمش الاقتصاد الروسي بمتوسط سنوي بلغ 6.8% بين عامي 1992 و1998، الذي شهد أزمة مالية حادة وانهيارًا في قيمة الروبل، وسط تراجع مستويات المعيشة وارتفاع معدلات الفقر، وفي المقابل، سجل الاقتصاد الروسي متوسط نمو سنوي بلغ 6.9% خلال الفترة من 1999 إلى 2008، وارتفعت الأجور الحقيقية بمتوسط 10.5% سنويًا، بينما تراجعت نسبة الفقر من 29% عام 2000 إلى 14% عام 2008.

وهكذا، تؤكد الأرقام جوهر ما قاله الحسيني عن التحول الاقتصادي في عهد بوتين، مع إضافة عوامل أسهمت في تحقيقه، أبرزها الإصلاحات الاقتصادية وارتفاع أسعار النفط والغاز وانخفاض قيمة الروبل الذي دعم بعض الصناعات المحلية.

أشاد الحسيني باهتمام الاتحاد السوفيتي بالفنون والثقافة والرياضة، لكنه وصف مستوى المعيشة بأنه كان سيئًا للغاية، وانتقد الإصلاحات التي شهدتها البلاد في عهد ميخائيل جورباتشوف.

وتؤكد السجلات التاريخية صحة حديثه عن الاهتمام بالرياضة والفنون؛ إذ حصد الاتحاد السوفيتي 132 ميدالية في أولمبياد سيول 1988، بينها 55 ذهبية، وفق قاعدة بيانات «Olympedia». كما حظيت الفنون، خصوصًا الباليه والموسيقى والمسرح والسينما، بدعم حكومي واسع، وإن خضع جانب من الإنتاج الثقافي لقيود سياسية وأيديولوجية.

أما حديثه عن تدهور مستوى المعيشة، فيتفق مع الأوضاع التي شهدتها السنوات الأخيرة للاتحاد السوفيت، رغم ما شهدته البلاد خلال عقود سابقة من تحسن في التعليم والرعاية الصحية ومستويات الاستهلاك، قبل تفاقم الأزمات الاقتصادية ونقص السلع خلال الثمانينيات.

وبالنسبة إلى وصف الحسيني إصلاحات جورباتشوف بأنها «كارثية»، فقد تزامنت تلك الإصلاحات مع تدهور اقتصادي حاد واضطراب منظومة الإنتاج والتوزيع، وهو ما تدعمه الدراسات التاريخية.