رئيس مجلس الادارة م/ محمد محمد
عاجل

أحمد بجاتو يكتب: اضطراب هرمز ينعش قناة السويس.. والحوثي يهدد المكسب من باب المندب

admin الشروق - Politics 03 نوفمبر, 2026
أحمد بجاتو يكتب: اضطراب هرمز ينعش قناة السويس.. والحوثي يهدد المكسب من باب المندب
18 مشاهدات

نشر في: الإثنين 2 نوفمبر 2026 - 11:08 م | آخر تحديث: الإثنين 2 نوفمبر 2026 - 11:08 م

قبل عامين كان البحر الأحمر عنوانًا للخسارة في الحسابات المصرية. هجمات الحوثيين أبعدت السفن عن باب المندب، وخسرت مصر نحو سبعة مليارات دولار من إيرادات قناة السويس خلال عام 2024 وحده وفق ما أعلنته الرئاسة، بعدما تراجعت الإيرادات بأكثر من ستين في المئة.

اليوم تبدو الصورة معكوسة. فمنذ تعطّلت الملاحة في مضيق هرمز صار البحر الأحمر ممرًّا بديلًا لجزء كبير من نفط الخليج، وعادت أرقام القناة إلى الصعود. 567 مليون دولار في أغسطس وحده بزيادة تقارب 57 في المئة عن الشهر نفسه من العام الماضي، وهدف أعلنه رئيس هيئة قناة السويس أسامة ربيع قدره 6.2 مليار دولار لهذا العام.لكن من عرف اليمن من الداخل يعرف أن هذا الانتعاش معلّق على جبال قلّما تُذكر أسماؤها في القاهرة. المقاطرة وطور الباحة وحيفان أسماء لا تعني شيئًا لكثيرين هنا، وهناك بالضبط يدفع الحوثيون قواتهم جنوبًا من تعز نحو لحج على بعد عشرات الكيلومترات من عدن.

مع تعطّل هرمز صارت ينبع على الساحل الغربي للسعودية المنفذ الأهم لنفطها، واقتربت صادراتها في ذروتها من أربعة ملايين برميل يوميًا.

والناقلة التي تخرج من ينبع أمامها طريقان. إما جنوبًا عبر باب المندب وهو الأقصر إلى آسيا، وإما شمالًا نحو قناة السويس وخط سوميد إلى أوروبا، أو حول أفريقيا إن كانت وجهتها آسيوية. ومع إعلان الحوثيين في يوليو حصارًا بحريًا على الموانئ السعودية ثم سيطرتهم في سبتمبر على المخا وجزيرة ميون، ازدادت المخاطر على باب المندب وبدأت بعض الناقلات تغيّر مسارها شمالًا، رغم أن الرحلة من ينبع إلى كوريا الجنوبية حول أفريقيا تطول من نحو 24 يومًا إلى نحو 54.

هنا جزء من تفسير أرقام القناة، ففي أغسطس عبرتها 1358 سفينة مقابل 1070 قبل عام. غير أن هذا المكسب لم يأتِ من عودة الاستقرار. تعطّل هرمز يدفع النفط إلى البحر الأحمر وتهديد المندب يدفعه نحو السويس، لكن هذا المكسب يظل رهينًا باستمرار الظروف التي صنعته.

السنوات التي قضيتها في تغطية اليمن علّمتني أن الساحل لا يُمسك وحده. من يريد الاحتفاظ بالمندب يحتاج المرتفعات التي تشرف عليه، ويحتاج أن يقطع عن تعز أي طريق يجعلها منصة لهجوم مضاد. ولهذا تحولت تعز ثالث أكبر مدن اليمن إلى مدينة مطوّقة منذ أوائل أكتوبر، وبرنامج الأغذية العالمي يقول إنه عاجز عن الوصول إلى أكثر من 600 ألف شخص يعتمدون على المساعدات فيها.

في الثلاثين من أكتوبر فتح الحوثيون هجومًا على مديرية المقاطرة في شمال لحج هدفه طور الباحة والطرق الواصلة بين تعز ولحج. القوات الحكومية تقول إنها صدّته والجبهة لم تُحسم بعد. ورئيس الوزراء اليمني السابق معين عبدالملك وهو ابن تعز حذّر من أن سقوطها يفتح الطريق إلى عدن ولحج ومأرب.

فماذا يعني ذلك للممر البديل؟ الحوثي يتمركز اليوم على معظم الساحل اليمني المطل على المضيق، وإن كانت الحكومة تقول إنها استعادت المخا. وإن وصل إلى عدن فسيضع يده على أهم ميناء يمني على خليج عدن، ويقترب أكثر من السفن قبل دخولها المضيق. والشمال نفسه ليس بعيدًا عن صواريخه، فقد استهدف في أواخر يوليو منشآت في ينبع وجازان. وكل كيلومتر يكسبه على الأرض يرفع قيمة ورقته في أي تفاوض إقليمي.

ووسط ذلك تدور حرب أخرى بالأرقام. في يوم واحد قال الحوثيون إن 116 غارة استهدفتهم وأعلنت الحكومة 982 عملية ناجحة، ولا سبيل للتحقق من أرقام الطرفين. أما الأرقام التي لا تجامل أحدًا فهي أعداد النازحين التي تجاوزت 250 ألفًا منذ أغسطس بحسب الأمم المتحدة، وأسعار غاز الطهي والمياه في تعز التي تضاعفت مرات بحسب منظمات الإغاثة.

أمام المنطقة مساران. الأول أن تنجح الوساطة القطرية بين واشنطن وطهران وتعود الملاحة إلى هرمز، فيرجع جزء كبير من النفط إلى طريقه القديم ويتراجع ما جاء إلى البحر الأحمر، وقد يهدأ هرمز بينما يبقى المندب تحت تهديد جماعة مسلحة. والثاني أن تفشل المفاوضات وتعود الضربات، فيتحول البحر الأحمر من ملجأ إلى جبهة ثانية.

وفي الحالتين ينبغي أن تُقرأ أرقام القناة اليوم كفرصة لا كقاعدة. القاعدة هي باب مندب لا تتحكم فيه جماعة مسلحة خارج الدولة، وهذه مصلحة مصرية ثابتة منذ فرضت البحرية المصرية حصارًا بحريًا عند باب المندب في حرب أكتوبر 1973. وقد دعا السفير أشرف عقل مساعد وزير الخارجية الأسبق إلى أن تقود مصر مبادرة لأمن الملاحة في البحر الأحمر ووقف إطلاق النار في الساحل الغربي وتعز، والفكرة تستحق أن تؤخذ بجدية.

إيرادات القناة تُحسب في الإسماعيلية لكن جزءًا من مستقبلها يُكتب هذه الأيام في مرتفعات تعز ولحج. المكسب الذي جاء به تعطّل هرمز سيذهب معه عاجلًا أو آجلًا، أما من يمسك الباب الجنوبي للبحر الأحمر حين تهدأ المنطقة فسيبقى هناك سنوات.