رئيس مجلس الادارة م/ محمد محمد
عاجل

مصطفى الشيمي يكتب: ذاكرة وليد

admin صدى البلد - الرئيسية 26 أكتوبر, 2026
مصطفى الشيمي يكتب: ذاكرة وليد
4 مشاهدات

الإثنين 26/أكتوبر/2026 - 04:55 م

عشت أربع سنوات في المدينة الجامعية، وهي مدة كافية لأن تألف الناس وتعرف طباعهم، أو على الأقل أن تعرف أيهم تستطيع أن تتحمل العيش معه في غرفة واحدة. لم تكن أول سنتين مريحتين تمامًا؛ كنا نعيش مع زملاء جمعتنا بهم الغرف والأقدار، ولم يكن الاختيار متاحًا دائمًا. أما في السنتين الأخيرتين فقد استقررت مع مجموعة من الأصدقاء الذين صارت بيننا ألفة لا تحتاج إلى كثير من الكلام. كنا نعرف من صوت المفتاح في الباب مَن العائد، ومن طريقة إلقاء الحقيبة على السرير إن كان صاحبها قد قضى يومًا سيئًا، ومن صمته الطويل إن كان ينتظر أن يسأله أحد عن شيء. ومع مرور الوقت، صارت الغرفة عالمنا الصغير؛ نختلف ونتصالح، نتبادل الطعام والنقود القليلة، ونقضي ساعات في الكلام عن أشياء تبدو لنا يومها شديدة الأهمية، ثم لا نتذكر منها بعد سنوات إلا ضحكة عابرة أو جملة قالها أحدنا في لحظة لم يكن يقصد فيها شيئًا.

كانت إمكاناتنا محدودة، حتى إن مسألة الطعام نفسها احتاجت إلى نظام خاص. طبق للرز، وطبق للطبيخ، وثالث للفاكهة التي كانت إدارة المدينة توزعها علينا. ولم يكن أحد يفكر في شراء أطباق إضافية؛ فقد كنا نتصرف بما هو متاح، ونغسل أطباقنا ونحتفظ بها إلى الوجبة التالية، كأن لكل واحد منا نصيبه المحدد من أدوات الحياة. أما العدس الذي كانوا يقدمونه لنا يوم الثلاثاء، فكان له شأن آخر. كنا ننتظره، وربما كان ذلك لأننا اعتدنا عليه، أو لأن الجوع يجعل الإنسان كريمًا مع الطعام مهما كانت جودته. كانت المشكلة أنهم يضيفون إليه أحيانًا من زيت الخروع ما يجعلنا ننظر إلى الطبق بشيء من الريبة. لم نكن نعرف مقدار ما وضعوه فيه، لكننا كنا نعرف أن وجبة الثلاثاء قد تحتاج إلى بعض الترتيبات، ولذلك كانت أخبار العدس تنتقل بين الغرف قبل موعد الغداء، ويصبح السؤال عنه أهم من السؤال عن المحاضرات التي فاتتنا في الصباح.

وسط هذه الحياة ظهر وليد، زميلنا في كلية الحقوق، الذي ستظل حكايته مرتبطة عندي بتلك السنوات أكثر من أي شيء آخر. لم أكن أتصور يومها أن حادثة عابرة ستجعله بطلًا لنكتة نرددها كلما اقترب موعد الامتحانات، وأننا سنظل نستعيدها بعد ذلك بسنوات، كلما وجد أحدنا حجة جديدة يبرر بها عدم مذاكرته.

في أحد الأيام، وقعت الحادثة التي جعلت وليدًا أشهر واحد فينا، وإن كانت الشهرة هذه المرة من النوع الذي لا يتمناه أحد.

كان معنا طالب يلعب الكاراتيه، ولا أذكر الآن كيف بدأت المشكلة بينه وبين وليد، ولا ما الذي قيل قبلها. كل ما أذكره أن الأمور تطورت بسرعة، وأن صاحبنا لاعب الكاراتيه طار في الهواء بحركة لم نكن نتوقعها، ثم انتهى به الأمر إلى أن يصطدم بوليد. سقط وليد على وجهه بطريقة جعلتنا نتوقف عن الكلام، وظل على الأرض بلا حركة. تجمعنا حوله، وناديناه أكثر من مرة، لكنه لم يستجب. حملناه إلى الطبيب ونحن في حالة من الارتباك، ولم يكن أحد منا يفكر في شيء سوى أن الرجل قد أصابه مكروه.

فحصه الطبيب، ثم أخبرنا أن وليدًا فقد ذاكرته. لم نكن نعرف ماذا يعني ذلك على وجه الدقة، لكننا بدأنا نسأله عن كل شيء: هل ستعود إليه؟ ومتى؟ وهل يحتاج إلى علاج طويل؟ وكان السؤال الذي ظل يدور في رؤوسنا، وإن لم يكن من المناسب أن نسأله في تلك اللحظة، هو ماذا سيفعل في الامتحانات التي لم يعد يفصلنا عنها سوى أسبوعين.

كنا وقتها نرى الامتحانات مسألة حياة أو موت، وكل واحد منا يحمل فوق رأسه ما يكفيه من الهموم. أما وليد، فقد أصبح فجأة صاحب مشكلة لا تشبه مشكلاتنا؛ فهو لا يعرف ما الذي حدث له، ولا ما الذي ينبغي أن يتذكره، ونحن لا نعرف كيف نساعده، ولا كيف نطمئن على مستقبله الدراسي. وظللنا نتابع حالته إلى أن بدأت تتكشف لنا مفاجأة لم تخطر على بال أحد.

لم يكن وليد قد نسي حياته كلها، وإنما نسي سنة كاملة منها. كان يتذكر ما قبلها، ويتعامل مع الأشياء على أساس أن الزمن توقف عند تلك النقطة، وأن ما جرى بعدها لم يحدث. وهنا بدأت الحكاية تأخذ شكلًا آخر... كان يبحث عن ساعته التي أضاعها في العام السابق، ويسأل عن فردة شرابه البنى، ثم يستغرب حين لا يجدها. كنا نراقبه وهو يتحدث عن هذه الأشياء بجدية تامة، فنحاول أن نتماسك، ثم ينظر أحدنا إلى الآخر فننفجر بالضحك. لم يكن في وسعنا أن نضحك من مرضه، لكن غرابة الموقف كانت تتغلب علينا أحيانًا، خصوصًا حين يتحدث عن شيء مضى عليه عام كامل كأنه حدث بالأمس.

وكان بيننا زميل ضخم الجثة، ريفي الملامح والهيئة، يتحدث بلهجة قروية واضحة، وتخرج كلماته محمّلة بتعابير أهل الريف وبساطتهم، ويتمتع بخفة ظل لا تتناسب مع حجمه. وحين عرف أن وليدًا يستعيد ذكرياته القديمة وينسى السنة الأخيرة، وجد في الأمر فرصة لا يصح أن تفوته.

ـ يعني إنت يا وليد فاكر السنة اللي فاتت؟

فكر صاحبنا قليلًا، ثم قال:

ـ طب اسمع بقى، أنا كان ضايع مني مية وخمسين جنيه السنة اللي فاتت، في نفس الوقت ده تقريبًا. شوف لنا حكايتهم يا شيخ وليد، يمكن تفتكر مكانهم!

لم يستطع أحدنا أن يرد. كنا نضحك، وصاحبنا يتحدث بجدية، ووليد يحاول أن يفهم كيف تحولت مشكلته إلى وسيلة للبحث عن نقود ضائعة منذ عام. ولم يكن صاحبنا يمزح فحسب؛ فقد بدا وكأنه ينتظر فعلًا أن يفكر وليد في الأمر ويخبره بمكان المال.

ومن يومها صار لقب الشيخ يسبق اسم وليد كلما أراد أحدنا أن يستعيد شيئًا نسيه أو يبحث عن شيء أضاعه. إذا لم يجد أحدنا كتابًا، أو نسي أين وضع نقوده، قال:

ـ يا شيخ وليد، شوف لنا الموضوع ده.

ومع مرور الأيام تحسنت حالة وليد، وعادت إليه ذاكرته شيئًا فشيئًا، واستطاع أن يستعيد دروسه ويستعد للامتحانات. كنا نراقب تقدمه باهتمام، وفي داخل كل واحد منا أمل صغير في أن تنتهي الحكاية على خير، لا من أجل وليد وحده، وإنما لأننا كنا نريد أن نطمئن إلى أن ما حدث لن يحرمه من عامه الدراسي.

ثم جاءت الامتحانات، ودخلها وليد، ونجح بتقدير جيد.

لا أذكر أننا احتفلنا بنجاحه على نحو خاص، لكنني أذكر أن الحكاية تحولت بعد ذلك إلى سلاح نستخدمه ضد بعضنا بعضًا. كلما قال أحدنا إنه لم يستطع المذاكرة، أو إن الوقت لم يعد يكفيه، وجد من يرد عليه:

ـ وليد فقد الذاكرة ونجح، وإنت ذاكرتك سليمة ومش عارف تنجح!

وكان وليد يضحك معنا، وربما كان أكثرنا استمتاعًا بالنكتة، فقد خرج من الحادثة بذاكرته ونجاحه، وترك لنا حكاية نستخدمها كلما ضاقت بنا المذاكرة.

مضت السنوات، وتفرقت بنا الطرق، لا أعرف أين وليد الآن، ولا أين بقية أصحاب الغرفة. ولم يبقَ في ذاكرتي من المدينة الجامعية إلا أشياء متفرقة: ثلاثة أطباق، وعدس يوم الثلاثاء اللذيذ، وصاحبنا الذي كان يؤمن أن بإمكانه العثور على أمواله الضائعة عن طريق الشيخ وليد.

وأحيانًا، حين أنسى شيئًا أبحث عنه طويلًا، أتذكر وليدًا وأضحك... ثم أفتش في المكان نفسه مرة أخرى. كأن بعض الذكريات لا تعود إلينا لتخبرنا بما حدث، بل لتجلس معنا قليلًا، ثم تتركنا نبحث من جديد.