السبت 24/أكتوبر/2026 - 12:48 م
ناقش متخصصون في صناعة الرسوم المتحركة ، التحديات التي تواجه الاستوديوهات العربية في تطوير أعمال أصلية تمتلك حقوقها الفكرية، مؤكدين أهمية بناء نماذج إنتاج واستثمار تتناسب مع طبيعة الأسواق الإقليمية، وتتيح تحويل القصص والشخصيات إلى مشاريع مستدامة قادرة على الوصول إلى الجمهور وتحقيق عوائد تجارية.
جاء ذلك خلال جلسة "تحديات الملكية الفكرية وبناء نماذج إقليمية"، ضمن فعاليات الدورة الرابعة من "مؤتمر الشارقة للرسوم المتحركة والقصص المصورة 2026"، الذي تنظمه هيئة الشارقة للكتاب في الجادة، بمشاركة ناتالي حبيب، الشريك والمنتج التنفيذي في "بلينك ستوديوز"، وعبدالرحمن خضر، الشريك المؤسس لاستوديو "جيرافيكس"، وأدارتها خولة زوين، مديرة تحرير منصة "متحرك".
وأوضح عبدالرحمن خضر أن التحدي الأكبر أمام إنتاج أفلام رسوم متحركة عربية طويلة يتمثل في محدودية قنوات التوزيع، مشيراً إلى أن غياب مسارات واضحة لعرض الأعمال واسترداد تكاليفها يجعل المستثمرين أكثر تردداً في تمويلها، حتى عندما تحظى الأفكار باهتمام الجهات الإنتاجية.
واستعرض تجربة استوديو "جيرافيكس" في تطوير فيلم "الليلة الكبيرة"، المستوحى من الأوبريت المصري الشهير، بهدف تقديم عمل يستند إلى التراث المصري ويخاطب جمهوراً عالمياً. وأشار إلى أن الفريق عرض المشروع على جهات دولية منذ عام 2019، وتلقى ردود فعل مشجعة وعروضاً للاستثمار، لكنه فضّل عدم المضي في التمويل في ظل غياب ضمانات كافية لوصول الفيلم إلى الأسواق وتحقيق عائد يغطي تكاليف إنتاجه.
وقال خضر إن المشكلة الأساسية التي واجهت المشروع كانت مرتبطة بالتوزيع، موضحاً أن وجود قنوات تجارية واضحة كان من شأنه تعزيز فرص جذب التمويل. ولفت إلى أن إنتاج فيلم رسوم متحركة بتكلفة قد تصل إلى خمسة ملايين دولار يتطلب دراسة دقيقة لإمكانات عرضه وتحقيق الإيرادات، خصوصاً في الأسواق التي ما زالت تفتقر إلى منظومة توزيع متخصصة.
وأضاف أن اعتماد الاستوديوهات على تنفيذ أعمال لصالح جهات أخرى قد يوفر دخلاً تشغيلياً، لكنه لا يضمن استدامتها على المدى الطويل، مشدداً على ضرورة الاستثمار في تطوير شخصيات وقصص أصلية يمكن توظيفها في مجالات متعددة، من الإنتاج التلفزيوني والسينمائي إلى الألعاب والمنتجات التجارية.
الملكية الفكرية أصل قابل للنمو
من جانبها، شبّهت ناتالي حبيب تطوير الملكية الفكرية بالاستثمار العقاري، موضحة أن بناء شخصية أو قصة ناجحة يتطلب تخطيطاً طويل الأمد، وتوفير عناصر تضمن استمرارها وقابليتها للتطور وتحقيق عوائد مالية.
وأشارت إلى أن نجاح الملكية الفكرية يعتمد على تطويرها برؤية طويلة الأمد، تتيح توسيع حضورها في الأسواق وتعزيز قيمتها التجارية. وقالت: "عندما تبتكر شخصية وتبني حولها قصة وعالماً خاصاً، فإنك تمتلك هذه الأصول، ويمكنك استثمارها خارج نطاق عرض العمل، من خلال ترخيص استخدامها وتطوير المنتجات التجارية المرتبطة بها، بما يتيح تحقيق إيرادات من الشخصيات التي ابتكرتها".
وأكدت حبيب أهمية تحديد الجمهور المستهدف منذ المراحل الأولى للتطوير، مستشهدة بتجربة مسلسل الرسوم المتحركة الإماراتي "فريج"، الذي أشادت بجودة تصميم شخصياته وعالمه البصري وقدرته على الاحتفاظ بجاذبيته الفنية، لكنها رأت أن التوسع في منتجات موجهة للأطفال واجه تحديات بسبب اختلاف هذه الفئة عن الجمهور الأساسي الذي تابع العمل بوصفه برنامجاً عائلياً.
كما تناولت تجربة "بلينك ستوديوز" في تطوير أعمال أصلية تستهدف الأسواق العالمية، ومنها مشروع "Tooters"، الذي استغرق تطوير قصته وشخصياته وعالمه البصري نحو عام قبل تقديمه في أسواق دولية متخصصة. وأوضحت أن الاستوديو اقترب من إبرام اتفاق إنتاج مشترك للمشروع، لكنه رفض التنازل عن كامل حقوق ملكيته الفكرية.
وتطرقت إلى تجربة إعادة تقديم شخصية "جحا" التراثية في قالب معاصر يخاطب جمهوراً دولياً، مشيرة إلى أن المشروع وصل إلى مراحل متقدمة من المناقشات مع "كرتون نتورك"، قبل أن تتوقف فرص التعاون نتيجة تغير الأولويات الإدارية لدى الجهة المعنية.
واستعرضت حبيب تجربة العمل مع مؤسسة "Sesame Workshop" على إنتاج النسخة العربية من برنامج "افتح يا سمسم"، موضحة أن التعاون شمل برنامج تدريب استمر ثلاث سنوات، تناول تطوير الشخصيات والكتابة والإنتاج وتصميم مواقع التصوير وتحريك الدمى، وصولاً إلى إنتاج الموسم الأول المؤلف من 26 حلقة.
وشددت على أهمية الاستفادة من خبرات المؤسسات العالمية التي نجحت في بناء أعمال وشخصيات تستمر لأجيال، إلى جانب تطوير منظومة متكاملة تضم الكتاب والمنتجين والمصممين والشركاء التجاريين، بما يتيح للأعمال الأصلية النمو والاستمرار.
وتناول المشاركون كذلك تجارب عربية بارزة، من بينها "مسامير" السعودي و"بكار" المصري، في سياق مناقشة قدرة الشخصيات المحلية على تجاوز أسواقها الأصلية، وفرص استثمارها في منتجات ومجالات جديدة، وأهمية المحافظة على ارتباطها بجمهورها.
وخلصت المناقشات إلى أن تطوير صناعة رسوم متحركة عربية قادرة على المنافسة يتطلب الجمع بين الإبداع والتخطيط التجاري، وتوسيع فرص التوزيع، وبناء شراكات تدعم الاستثمار في الملكية الفكرية، بما يمكّن الاستوديوهات من تحويل قصص المنطقة وشخصياتها إلى أعمال تستمر وتصل إلى جمهور أوسع.