رئيس مجلس الادارة م/ محمد محمد
عاجل

تكفير عن ذنب

admin مصراوي - أخبار (25) 18 أكتوبر, 2026
تكفير عن ذنب
3 مشاهدات

تشعر وأنت تتابع أسماء الفائزين بجائزة نوبل هذه السنة، أن لجنة الجائزة في العاصمة النرويجية أوسلو أقدمت على ما يمكن أن يكون تكفيراً عن ذنب وقع منها في السنة الماضية!

أتكلم هنا عن جائزة نوبل في السلام تحديداً، لا عن نوبل في الطب، ولا في الكيمياء، ولا في الفيزياء، ولا في الأدب، ولا في الاقتصاد.. فكل هذه الفروع في الجائزة كوم، بينما جائزة السلام على وجه التحديد كوم آخر.

والسبب طبعاً هو التسييس الذي يصيبها سنة بعد سنة. صحيح أن التسييس موجود في الفروع الأخرى بمعنى من المعاني، ولكن هذه قضية أخرى، أما نوبل للسلام فالتسييس فيها من دورة للجائزة إلى دورة أوضح من أن يشار إليه.

علينا أن نتذكر مثلاً أن الفائزة بنوبل للسلام في السنة الماضية كانت هي المعارضة الفنزويلية ماريا ماتشادو، وقد بدا في لحظة الإعلان عن اسمها في مثل هذا التوقيت من العام الماضي، أن لجنة الجائزة منحتها لها مضطرة، وأنها فعلت ذلك تحت ضغط الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي لم يكن يجعل مناسبة تفوت منذ عاد للبيت الأبيض في 20 يناير 2025، إلا ويُبدي فيها رغبته، بل تمسكه بأن يحصل على نوبل في السلام!

وكان هذا يوقع اللجنة في مشكلة فيما يبدو، لأن المتصور أنها لم تكن تمانع في الذهاب بالجائزة إليه، ولكنها في المقابل كانت تبحث عما يبرر حصوله عليها، فلم تكن تعثر على شيء، بل ربما يكون العكس هو الصحيح، بمعنى أنه طوال الشهور الفاصلة بين عودته للبيت الأبيض، وبين حلول موعد منح الجائزة، كان قد فعل ما شأنه إشعال النزاعات والحروب في أكثر من اتجاه.

ولسنا مدعوين هنا إلى إحصاء ما أشعله هو وإدارته، وما راح ينفخ في ناره من نزاعات حول العالم، ولكنك بنظرة واحدة تستطيع أن ترى أمامك في أنحاء الأرض، أنه لا يوجد نزاع ناشب، ولا حرب مشتعلة، إلا وكانت إدارته وراء ذلك في الحالتين، إما بالسكوت وغض البصر، وإما بالتشجيع وصب الزيت على النار.

والمشكلة الأكبر أنه لا هو ولا إدارته بذلا من الجهد ما يمكن أن يوقف تمدد الحروب، أو ما يمكن أن يطفئ نارها التي تأكل راحة الناس قبل أن تبدد إحساسهم بالأمن في كل مكان تقريباً.

حلاً لهذا الإشكال وجدت لجنة الجائزة ضالتها وهي تمنح جائزة السنة الماضية في الذهاب بها إلى ماتشادو، التي كانت حليفة للرئيس ترمب، وكان هو لا يتوانى عن إبداء إعجابه بها، وكان يجمعهما أنهما ضد الرئيس الفنزويلي الحبيس مادورو.

ولم تُكذِب ماتشادو خبراً فأعلنت بمجرد فوزها، أن فرحتها بجائزتها لا تمنعها من إهدائها إلى سيد البيت الأبيض، الذي كان ولا يزال إلى لحظتنا هذه لا يتشبث بشيء إلا بالحصول على نوبل للسلام وبأي طريقة أو ثمن!

وقد ساد إحساس وقت ذهاب الجائزة إلى ماتشادو، بأنها جائزة أُخذت بسيف الحياء، وأن إهداءها من صاحبتها لترمب كان بسيف الحياء أيضاً، وأن ما نقوله نحن عن أن «ما أُخذ بسيف الحياء فهو حرام» ينطبق أكثر ما ينطبق على ترمب وماتشادو معاً.

دار العام دورته، ونشطت التخمينات عمن سوف يكون صاحب نوبل للسلام هذه السنة، ولم تشأ لجنة الجائزة أن تدع التخمينات تنشط أكثر وأكثر، فسارعت تعلن فوز القاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بالجائزة، ومن قبل كانت اللجنة تؤخر نوبل للسلام بالذات في كل دورة جديدة إلى نهاية أكتوبر الذي يشهد الإعلان عن الجوائز في كل سنة، ولكن تبكير الإعلان عنها هذه السنة أولاً، ثم منحها للقاضية نافي، كانا بمثابة التكفير عن ذنب جائزة السنة الماضية.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع