أعادت قرية بولوتانا الإيطالية تسليط الضوء على أحد أكثر الأسئلة التي تشغل العلماء والمهتمين بالصحة وطول العمر: لماذا يعيش بعض الأشخاص إلى ما بعد سن المئة، بينما لا يصل آخرون إلى هذه المرحلة، حتى في ظل ظروف معيشية تبدو متشابهة؟
ففي أكتوبر 2026، لفتت القرية الواقعة في جزيرة سردينيا، إحدى الجزر الإيطالية المطلة على البحر المتوسط، الأنظار بعد تقارير عن ارتفاع ملحوظ في أعمار النساء بها، ما أعاد النقاش حول ما يُعرف باسم «المناطق الزرقاء»؛ وهي مناطق ارتبطت بوجود أعداد لافتة من المعمرين، وأصبحت موضع اهتمام الباحثين الساعين إلى فهم العوامل التي قد تساعد الإنسان على التمتع بحياة أطول وأكثر صحة.
ونشرت صحيفة The Guardian تقريرًا في 8 أكتوبر 2026 عن بولوتانا، استند إلى أبحاث لباحثين من جامعة ساساري الإيطالية وجامعة ألاباما في برمنغهام بالولايات المتحدة.
تقع بولوتانا في جزيرة سردينيا، وهي منطقة ارتبط اسمها على مدى سنوات بدراسات طول العمر، خاصة في بعض القرى التي سُجلت فيها حالات لأشخاص تجاوزوا المئة من العمر.
وتحظى سردينيا باهتمام خاص في أبحاث الشيخوخة، لأن وجود تجمعات من المعمرين في مناطق محددة يتيح للباحثين دراسة ما إذا كانت هناك عوامل مشتركة بين السكان، سواء تعلقت بالوراثة أو نمط الحياة أو الروابط الاجتماعية أو البيئة المحيطة.
وتشير التقارير عن بولوتانا إلى أن أعمار النساء في القرية تمثل محورًا لافتًا للدراسة. ومع ذلك، فإن رصد ارتفاع في متوسط العمر أو تسجيل حالات عديدة من المعمرات لا يكفي وحده لتحديد السبب؛ إذ يتطلب الأمر مقارنة البيانات السكانية، والتحقق من تواريخ الميلاد والوفاة، ودراسة الظروف التي عاش فيها السكان على مدى عقود.
حتى الآن، لا توجد أدلة تسمح بإرجاع طول العمر في بولوتانا إلى عامل واحد محدد. ولم يُحسم ما إذا كانت الظاهرة مرتبطة أساسًا بالجينات، أم بالعادات اليومية، أم بتفاعل مجموعة من العوامل على مدار الحياة.
وتكمن الصعوبة في أن الأشخاص الذين يصلون إلى أعمار استثنائية لا يعيشون عادة في ظروف متطابقة؛ فقد تختلف أنظمتهم الغذائية ومستويات نشاطهم البدني وتاريخهم الصحي، كما تتباين فرص حصولهم على الرعاية الطبية وظروفهم الاجتماعية والاقتصادية.
ولذلك، فإن وجود معمرين في منطقة واحدة يمثل نقطة انطلاق للبحث، وليس دليلًا نهائيًا على أن عادة معينة هي التي منحتهم أعمارًا أطول.
الوراثة أحد المسارات التي يدرسها الباحثون لفهم طول العمر، لكنها لا تفسر الظاهرة بمفردها. فالجينات قد تؤثر في قابلية الإنسان للإصابة بأمراض معينة، وفي بعض العمليات البيولوجية المرتبطة بالشيخوخة، لكن تأثيرها يتداخل مع نمط الحياة والظروف التي يتعرض لها الشخص طوال عمره.وتساعد دراسة العائلات التي تضم أكثر من شخص بلغ سنًا متقدمة على البحث عن أنماط وراثية مشتركة، إلا أن ذلك لا يعني وجود «جين لطول العمر» يضمن الوصول إلى المئة. فالعمر النهائي يتأثر بعدد كبير من العوامل، كما أن امتلاك استعداد وراثي معين لا يلغي تأثير الأمراض أو البيئة أو السلوكيات اليومية.
يبحث العلماء عادة في مجموعة من العوامل الحياتية عند دراسة المجتمعات التي تضم أعدادًا من المعمرين، من بينها النظام الغذائي، والحركة اليومية، والعلاقات الاجتماعية، وطبيعة العمل، ومستويات التوتر، والحصول على الرعاية الصحية.