رئيس مجلس الادارة م/ محمد محمد
عاجل

بطاريق الجنتو: كيف "انتصرت" في ساحة صراع بين قوى الطبيعة وقوى البشر؟

admin BBC عربية 08 أكتوبر, 2026
بطاريق الجنتو: كيف "انتصرت" في ساحة صراع بين قوى الطبيعة وقوى البشر؟
1 مشاهدات

صدر الصورة، Romain Barats/ Ocean Photographer of the Year

تعتبر جزيرة ديسيبشن البركانية، الواقعة قبالة شبه الجزيرة القطبية الجنوبية، محميّة طبيعية فريدة لطيور البطريق.

وبين أطلال ناقلات نفط متناثرة فوق الجزيرة، التُقطتْ هذه الصور لتكشف عن منتصر "نادر" في معركة التغيّر المناخي.

وكانت هذه المنطقة ذات يوم مسرحاً حافلاً بناقلات النفط ومراكب صيد الحيتان وغير ذلك من آلات صناعة السفن، قبل أن تغرق في الرمال الداكنة، ويهجرها البشر، وتصير السيادةُ عليها لطيور البطريق.

وفوق هذه الجزيرة المهجورة، التقط مصوّر الحياة البرية رومان باراتس باقة من الصور، وصلت إحداها (في أعلى التقرير) إلى الدور النهائي في مسابقة مصوّر المحيطات لعام 2026.

عن هذه الصورة، يقول باراتس: "بطاريق الجنتو الثلاثة يقفون كحُرّاس على أطلال، في مشهد يعيد إلى الأذهان "كارثة تشرنوبل... حيث كانت هذه الأماكن نابضة بالنشاط البشري قبل أن ينحسر هذا النشاط فجأة ويغادر الإنسان المكان مخلّفاً وراءه آثاراً تدلّ عليه".

لكن ثمة وجهاً آخر تكشفه صورة باراتس، وهو نجاح طيور البطريق في التعايش مع آثار البشر، لتصبح بطاريق الجنتو التي تلعب البطولة في الصورة "منتصراً نادراً" في معركة التغيّر المناخي.

وتشهد المنطقة القطبية الجنوبية نمواً في أعداد بطاريق الجنتو، مسجّلة زيادة بمقدار الرُبع تقريباً منذ عام 2013 في بعض المناطق غربيّ شبه الجزيرة القطبية الجنوبية.

وتعكس هذه الأرقام قدرة استثنائية للجنتو بين نظرائها من فصائل البطاريق الأخرى، على التكيّف مع بيئات أعلى في درجة الحرارة من بيئاتها الطبيعية.

وتبدو البطاريق الثلاثة في صورة باراتس، في منتصف فترة تبديل الريش، وهي فترة غير مريحة لهذه الطيور، بحسب هيثر لينش، الباحثة في علم البيئة والتطور بجامعة ستوني بروك الأمريكية.

وتوضح لينش أن هذه الطيور "لا تستطيع النزول إلى الماء عندما تكون في فترة تبديل الريش، لأنها تبرد بسهولة، فضلاً عما تعانيه من حكّة جلدية".

ثم خرجت هذه البطاريق الثلاثة من البحر بحثاً عن الدفء فوق أطلال جزيرة ديسيبشن البركانية، حيث يوفّر الرُكام الصدئ للسُفن والمراكب ملاذاً آمناً ضد الرياح.

و"في ظل هذا الملاذ، الدافئ والمريح، تقضي بطاريق الجنتو أطول وقت ممكن، ريثما ينمو ريشها الجديد"، بحسب الباحثة لينش التي تؤكد أن هذه القدرة الفائقة على التكيف هي التي أسهمت في تنامي أعداد بطاريق الجنتو.

صدر الصورة، Romain Barats

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

تعُدّ الباحثة لينش "بطاريق الجنتو من الفائزين في معركة التغير المناخي" ، عازيةً "تنامي أعداد هذه الطيور بوتيرة متسارعة على هذا الجزء من المنطقة القطبية الجنوبية إلى محبّتها للدفء وقدرتها على التعايش مع الرطوبة، لذا فهي تتجه جنوباً".

وزادت أعداد بطاريق الجنتو حول العالم بنسبة تناهز 11 في المئة خلال الفترة ما بين 2013 و2020، فيما سُجّلت الزيادة الأكبر في الأعداد على المناطق الواقعة غربيّ شبه الجزيرة القطبية الجنوبية، بنسبة ناهزت 23 في المئة.

وعلى النقيض من ذلك، سجّلت أقرب فصيلتين بين فصائل البطاريق للجنتو، وهما: البطريق الملجم (شريطيّ الذقن)؛ وبطريق آديلي الذي يتميز بحلقة بيضاء حول عينيه، خسائر في الأعداد لتصبح هاتان الفصيلتان من بين الأحياء الخاسرة في معركة التغيّر المناخي.

وفوق شبه الجزيرة القطبية الجنوبية، شهدت أعداد بطاريق الملجم تراجُعاً دراماتيكياً، فيما سجلت أعداد بطاريق آديلي تراجعاً بنسبة 65 في المئة على مدار الـ 25 عاماً الماضية، وسط توقعات بمزيد من الانخفاض في أعدادها مع نهاية القرن الحالي.

وإلى جانب مهارته على صعيد استكشاف مناطق ملائمة لفترة تبديل الريش، فثمّة سمات أخرى مميّزة لبطريق الجنتو.

صدر الصورة، European Union/ Copernicus Sentinel-2

يتمتع بطريق الجنتو بمجموعة من السمات تساعده في التأقلم مع التغيّر المناخي؛ ومن ذلك أنه ليس انتقائياً فيما يتعلق بالأطعمة التي يتغذى عليها، كما هي الحال مع بطريق الملجم وبطريق آديلي على سبيل المثال.

ويستطيع بطريق الجنتو التحوّل عن أكل الكريل إلى أكل الأسماك، بحسب ما توفّره البيئة المحيطة.

كما يستطيع بطريق الجنتو زيادة عدد البيض الذي يضعه، تحسّباً لأي فقْد في ذلك الإنتاج، الذي قد ينجم في العادة عن فيضان مفاجئ أو عاصفة ثلجية مفاجئة، وهي أشياء أصبحت أكثر شيوعاً في ظل التغيّر المناخي.

وبحسب الباحثة لينش، فإن هذه السِمة الخاصة بزيادة عدد البيض، ليست موجودة لدى أيّ من بطريق الملجم أو بطريق آديلي.

كما أنّ في استطاعة بطريق الجنتو أن يغيّر موسم التكاثر الخاص به، على سبيل التكيّف مع التغيّر المناخي.

هذا التفاوت في القدرات بين الجنتو وغيره من فصائل البطاريق، كانت نتيجتها واضحة؛ "فحيثما نلتفت على شبه الجزيرة القطبية الجنوبية نشاهد المزيد من بطاريق الجنتو"، بحسب الباحثة لينش.

وإلى ذلك، تشير الباحثة إلى أن الجنتو هو البطريق الوحيد الذي يتكاثر حالياً فوق جزيرة ديسيبشن البركانية، التي شهدت ثوَرانات بركانية عديدة على مدى سبعة آلاف عام، ما أدى إلى انحسار أعداد البطاريق عليها.

وعلى الرغم من تاريخها البركاني والصناعيّ، لا تزال جزيرة ديسيبشن تمثل محمية طبيعية فريدة للحياة البرية "لا سيما لبطريق الجنتو".

ومن منظور المصوّر باراتس، تعتبر الجزيرة ساحة للصراع بين قوى الطبيعة من جهة والقوى البشرية من جهة أخرى.

وفي ذلك يقول المصوّر: "هنا، يمكن أن نُحسّ بشعور قويّ للغاية... عندما نجد أنفسنا في مواجهة شيء أكبر منّا بكثير... ربما كان هذا الشيء هو الزمن الجيولوجي، أو الطبيعة، أو ربما كان حقيقة أنّ حضارتنا نحن البشر محكومة بالزوال"، على حدّ تعبيره.